ابن الفارض
182
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
منوال الأول ، وهو أن الإنسان وإن بلغ مبلغ الكمال لا بدّ له من اعتراض آخر منسوج على منوال الأول ، وهو أن الإنسان وإن بلغ مبلغ الكمال لا بدّ له من السجدة لمعبوده ، فالساجد غير المسجود له ، فلا معنى للجمع بقوله : وفيّ شهدت السّاجدين لمظهري * فحقّقت أنّي كنت آدم سجدتي أي : عاينت في نفسي الملائكة الساجدين لمظهري فعلمت حقيقة أني كنت في سجدتي آدم تلك السجدة ، وأن الملائكة يسجدون لي والملائكة صفة من صفاتي ، فالساجد صفة من يسجد لذاتي ، فالجمع [ 228 / ق ] واقع لا يدفع ومكشوف لا يقنع ، وإضافة السجدة إلى نفسه إضافة الفعل إلى فاعله ، لا إلى مفعوله ؛ ثم أجاب عن اعتراض آخر ، وهو أن الملائكة الموجودة في الإنسان صنفان : صنف أرضية سفليّة ، وصنف سموية علويّة ، فيكون فيه جهتان متميّزتان مختلفتان ، فالجمع ممنوع بقوله : وعاينت روحانيّة الأرضين في * ملائك علّيّين ، أكفاء رتبتي أي : ورأيت عيانا ( روحانية الأرضين ) أي : الملائكة الموكلة بها في زمرة ملائكة السماوات المعبّر عنها بعليين بالنسبة إلى رتبتي ، ومقامي أمثالا وأكفاء ، والتميّز والاختلاف فيهما لنسبة واقعة بينهما ، فيكون أحديهما علويّة فوقانيّة ، والأخرى سفليّة تحتانية ، والجمع أفقان يظهر من أحدهما الأفق الذاتي وهو الذات المجرّدة عن الصفات والأفعال ، فلا تفرقة في هذا الجمع ، وهو نقصان ، وثانيهما : الأفق الأعلى ، وهو الذات الموصوفة بجميع صفاتها وأفعالها ، فيكون الجمع الظاهر منه مقارنا للتفرقة هو الكمال ، وقلّما يرتقي طائر همّة السالكين عن الأفق الثاني ، فلذلك قال : ومن أفقي الدّاني أجتدي رفقي الهدى * ومن فرقي الثّاني بدا جمع وحدّتي أي : أطلب الهدى رفقائي وأصحابي في الطريقين من أفقي الداني منهم الذي يفيد الجمع بلا تفرقة ، والحال أن جمعي المضاف إلى عين الوحدة ظهر من فرقي الثاني أي تفرقة حاصلة بعد الجمع ، وهي غاية الكمال لاجتماعها مع الجمع ، والجمع الخالي عن التفرقة بدا للحسن عند تجلّي الذات له ، ويورث في النفس صعقة وخرورا يوجبان السكر ويرفعان التمييز والجمع بالتفرقة لا يزعزع دعائم الوجود عند تجلّي الذات ، بل يورث في النفس إفاقة وصحوا وتميّزا ، فيشاهد الذات بعين الجمع